فخر الدين الرازي

138

تفسير الرازي

* ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ) * . خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : * ( من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً * خالدين فيه ) * ( طه : 100 ، 101 ) الثالث : قال ابن عباس قوله * ( خالدين فيها ) * أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله * ( خالدين فيها ) * نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى : * ( عليهم لعنة الله ) * . ثم قال : * ( لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) * معنى الانظار التأخير قال تعالى : * ( فنظرة إلى ميسرة ) * ( البقرة : 280 ) فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه بالله . ثم قال : * ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك ) * والمعنى إلا الذين تابوا منه ، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال : * ( وأصلحوا ) * أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها . ثم قال : * ( فإن الله غفور رحيم ) * وفيه وجهان الأول : غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى : * ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) * ( الأنفال : 38 ) ودخلت الفاء في قوله * ( فإن الله غفور رحيم ) * لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن الله يغفر لهم . * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ) * . المسألة الأولى : اختلفوا فيما به يزداد الكفر ، والضابط أن المرتد يكون فاعلاً للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة ، وقد يكون فاعلاً للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً آخر ، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوهاً الأول : أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه ، ثم كفروا به عند المبعث ، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت ، ونقضهم ميثاقه ، وفتنتهم للمؤمنين ، وإنكارهم لكل معجزة تظهر الثاني : أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً ،